اللجنة الإدارية بين الشائعات والحقيقة… حين تتحول المعلومة إلى سلاح

الكاتب / مصطفى ابراهيم
الحرب لم تنتهِ بعد، بل تبدّلت أشكالها، وانتقلت من الميدان إلى الوعي، ومن الدمار المادي إلى الفوضى المعنوية. وما زالت حرب الفلسطينيين ضد أنفسهم مستمرة، يغذيها غياب المعلومة الدقيقة وضعف التواصل الرسمي مع الناس.
في زمن الحرب والإرباك، صار الخبر أقوى من الرصاصة، والشائعة أسرع من البيان، والناس تتلقف كل ما يُقال وتبني عليه مواقف وانقسامات جديدة.
خلال الأيام الماضية، تصدّر حديث “اللجنة الإدارية أو المرجعية” التي يُقال إنها ستدير قطاع غزة في المرحلة المقبلة واجهة الجدل الشعبي والإعلامي. لم يصدر أي تأكيد رسمي من أي جهة فلسطينية، لكن خبرًا صحفيًا إسرائيليًا واحدًا كان كفيلًا بإشعال موجة من الجدل والاتهامات والتحليلات، وتبدلت المواقف بين مؤيد ومعارض، قبل أن تتضح الحقائق أو تُعرَف الصلاحيات أو حتى أسماء اللجنة نفسها.
لقد غابت المعلومة الموثوقة، فحلّت محلها الرواية المفبركة، وأصبح الناس أسرى التخمينات. والأسوأ من ذلك أن البعض ذهب بعيدًا في اتهام شخصيات وطنية محترمة بمجرد ورود أسمائهم في تقارير إعلامية غير مؤكدة.
من بين هذه الأسماء التي تداوَلها الإعلام، جاء اسم الصديق العزيز أمجد الشوا، أحد الوجوه الإنسانية البارزة في غزة، الذي يعمل منذ أكثر من ثلاثة عقود في المجال الإنساني، قريب من الناس وهمومهم، ولم يكن يومًا منتميًا لأي فصيل سياسي.
أمجد الشوا ليس سياسيًا ولا يبحث عن منصب، بل هو نموذج للإنسان الفلسطيني الذي اختار طريق العمل الميداني والخدمة العامة بعيدًا عن الأضواء. ومع ذلك، زُجّ باسمه لرئاسة اللجنة في خضمّ جدل سياسي محتدم، وتعرّض لما لا يستحق من اتهامات وتجريح، فقط لأن البعض صدّق إشاعة لم تصدر عن أي مصدر فلسطيني رسمي.
القضية لا تتعلق باسم بعينه، بل بثقافة عامة باتت تهدد الوعي الجمعي: غياب الشفافية الرسمية يقابله انفلات إعلامي وشعبي. حين لا يتحدث المسؤول، يتكلم الآخرون عنه، وحين لا توجد مرجعية إعلامية واضحة، يصبح كل من يملك حسابًا على منصة رقمية مصدرًا للمعلومة.
أما خلفية ما يجري، فترتبط بما هو أعمق من مجرد تسريبات إعلامية.
ففكرة اللجنة الإدارية أو لجنة الإسناد المجتمعي ليست جديدة، بل تعود إلى اقتراح مصري قديم طُرح قبل أشهر، يقضي بتشكيل لجنة وطنية لإدارة شؤون غزة في المرحلة الانتقالية. حينها رشحت الفصائل الفلسطينية، في مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، عددًا من الأسماء، بينما رفضت السلطة الفلسطينية المقترح في حينه، مشترطة أن تكون شريكة في التشكيل وأن يترأس اللجنة وزير من الحكومة الفلسطينية.
هذا النقاش عاد إلى الواجهة مع تعقّد الموقف السياسي، خصوصًا بعد الرفض الإسرائيلي والأمريكي لعودة حماس أو حتى الرئيس عباس لإدارة غزة، كما أعلن نتنياهو منذ بداية الحرب. ومع مرور الوقت وطرح أفكار “حكومة الكفاءات” أو “التكنوقراط” في إطار ما عُرف بـ”خطة ترامب”، عاد الحديث عن اللجنة من جديد بوساطة مصرية، وبدأ تداول أسماء جديدة، من بينها اسم أمجد الشوا.
لكن من الواضح أن ما يجري حتى اللحظة لا يتعدّى مرحلة التسريبات الإعلامية والتسريبات السياسية الجزئية، دون أي إعلان رسمي من القاهرة أو من أي طرف فلسطيني. بل إن الغموض لا يزال سيد الموقف، طالما لم تُحسم المسألة بموافقة الأطراف الدولية — تحديدًا إسرائيل والولايات المتحدة — ولا يزال موقف السلطة الفلسطينية غير واضح تمامًا، رغم أن المؤشرات تفيد بأنها لن توافق على أي لجنة لا ترأسها أو تشارك في تعيينها.
في ظل هذا المشهد المربك، تبقى الحقيقة أن الانقسام الفلسطيني ما زال قائمًا، وأن الحديث عن أي لجنة أو حكومة مؤقتة لا يمكن أن ينجح دون توافق وطني حقيقي يعيد الروح للمشروع الفلسطيني ويضع مصلحة الناس فوق الحسابات الفصائلية.
إن أخطر ما يواجه الفلسطينيين اليوم، بعد الحرب، هو الحرب على الوعي — حرب الشائعات والمصادر المجهولة التي تزرع الشك وتفكك الثقة بين الناس ومؤسساتهم.
ولا يمكن مواجهة هذه الحرب إلا بمصارحة وشفافية من الجهات الرسمية، وإعادة بناء العلاقة مع الجمهور على أساس الثقة والوضوح، لا على أساس التسريبات والتأويلات.



