محمد فرج يكتب: حماس ومأزق الثقة

محمد فرج يكتب: حماس ومأزق الثقة
المشاهد المروعة على أرض غزة، لا يمكن لأحد أن يتعاطف مع من تسبب فيها، خاصة وأن الواقع الحالي، لا ينذر بعودة القطاع كما كان عليه من قبل، في ظل حالة الانسداد السياسي، رغم التوصل لاتفاق بوقف إطلاق النار، الذي يبدو وكأنه للشو الإعلامي فقط، في ظل مواصلة الاحتلال الإسرائيلي، شن غارات يومية تحصد أرواح الأبرياء، في تبادل الاتهامات بخرق الهدنة بين الجيش الإسرائيلي وحماس.
من المؤكد، أن الدمار الذي لحق بغزة، يعود في المقام الأول، لهجوم 7 أكتوبر، الذي نفذته حماس، دون دراسة أو الاستعداد لرد الفعل الإسرائيلي، إذ يُحمل غالبية سكان غزة، حركة حماس المسؤولية عن الحالة المتردية التي وصلت إليها غزة، والمعاناة اليومية للسكان، في ظل الحصار على المعابر وعدم إدخال المساعدات الإنسانية.
وتعكس نتائج استطلاع المركز الفلسطيني للرأي العام، صورة مركبة للمزاج الشعبي في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث يتابع الفلسطينيون تطورات غزة باهتمام بالغ، لكنهم لا يفعلون ذلك بعين عاطفية فقط، بل بعين نقدية تقيم الأداء الداخلي والرهانات الخارجية على حد سواء.
أبرز ما يكشفه الاستطلاع هو التآكل الواضح في الثقة بإدارة حركة حماس لقطاع غزة، إذ قيّم نحو 78% من المشاركين أداءها بأنه غير فعّال أو محدود، هذه النسبة المرتفعة لا يمكن قراءتها بوصفها موقفًا سياسيًا عابرًا، بل تعكس شعورًا عامًا بالإرهاق من إدارة أزمة ممتدة، تتداخل فيها الحروب المتكررة، والضغوط الاقتصادية، وتعقيدات الحكم في بيئة محاصرة، لأن السكان، الذين أنهكتهم سنوات من عدم الاستقرار، باتوا يقيسون الأداء بمعيار القدرة على تحسين حياتهم اليومية، لا بشعارات الصمود وحدها.
ويبرز تأييد واسع لفكرة إنشاء لجنة مدنية مستقلة لإدارة القطاع، وهو مؤشر على بحث المجتمع عن حكم يحفظ حقوقهم وحياتهم، وهذه الرغبة تعكس إعادة تعريف الأولويات، بحيث تصبح الخدمات العامة، وإعادة الإعمار، وتحسين البنية التحتية، في صدارة الاهتمام، وهذا الطرح يواجه تحديات واقعية، أبرزها كيفية تشكيل مثل هذه اللجنة، ومن يضمن استقلاليتها، وكيف ستتعامل مع مراكز القوة القائمة على الأرض.
اللافت أيضًا أن التشكيك لا يقتصر على الداخل، بل يمتد إلى المبادرات الدولية، بما فيها تلك المرتبطة بإدارة دونالد ترامب، لأن التجارب السابقة عززت شعورًا لدى كثيرين بأن المبادرات الخارجية غالبًا ما ترتبط بأجندات سياسية لا تنسجم بالضرورة مع الأولويات الفلسطينية، ومع ذلك، فإن 59% من المستطلعين يرون ضرورة إشراك جهات دولية فاعلة لتحقيق الاستقرار، شرط أن تكون فعالة ومحايدة.
أما ما يتعلق بما يسمى بـ”مجلس السلام” أو المسارات السياسية بعيدة المدى، فإن نقص المعرفة والتشكيك في جدواها يشيران إلى فجوة بين المواطن الذي يعيش تحت ضغط يومي ويبحث عن حلول ملموسة وسريعة نسبيًا، لا عن عمليات تفاوضية قد تمتد سنوات دون نتائج واضحة، وهذا لا يعني رفض السياسة كخيار، بل يعكس أزمة ثقة في قدرتها على إحداث تغيير فعلي في ظل موازين قوى مختلة.
ووفقا لاستطلاع الرأي، الفلسطينيون لا يرفضون الانفتاح على ترتيبات جديدة، سواء داخلية أو دولية، لكنهم يريدون ضمانات حقيقية بأن أي تغيير لن يكون شكليًا أو على حساب حقوقهم الأساسية، وهم ينتقدون أداء القيادات المحلية، لكنهم في الوقت ذاته لا يمنحون ثقتهم بسهولة لأي بديل غير مختبر.
ايضا، يكشف الاستطلاع عن لحظة مراجعة عميقة داخل المجتمع الفلسطيني، عنوانها البحث عن إدارة أكثر كفاءة، ودور دولي أكثر توازنًا، ومسار سياسي أكثر مصداقية، وإنها لحظة قد تفتح الباب أمام إعادة صياغة العقد السياسي في غزة، إذا ما توافرت إرادة حقيقية للاستماع إلى هذا الصوت الشعبي وترجمته إلى سياسات عملية، أما تجاهل هذه المؤشرات، فقد يعني استمرار الدوران في حلقة مفرغة من الأزمات المتكررة وفقدان الثقة المتراكم.



